الذكرى الرابعة للحرب| لماذا لم تنجح مبادرات إنهاء الحرب في أوكرانيا؟ (خاص CNBC عربية)

نشر
آخر تحديث
لماذا لم تنجح مبادرات إنهاء الحرب في أوكرانيا؟ (خاص CNBC عربية)

استمع للمقال
Play

رغم تعدد المسارات الدبلوماسية منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، فإن مبادرات إنهاء النزاع تعثرت بفعل فجوة عميقة في الأهداف الاستراتيجية للطرفين، وتمسك كل منهما بسقف تفاوضي مرتفع يصعب التراجع عنه دون كلفة سياسية داخلية.

كما أسهم تباين مواقف القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، في تعقيد المشهد، إذ ارتبطت أي تسوية محتملة بحسابات الردع، وأمن الطاقة، وتوازنات النظام الدولي.

إضافة إلى ذلك، عززت التطورات الميدانية المتقلبة قناعة كل طرف بإمكانية تحسين شروطه عبر الاستمرار في القتال، ما أضعف الحوافز لتقديم تنازلات جوهرية، وأبقى مسار التسوية رهينة ميزان القوة على الأرض أكثر من كونه رهين الطاولة الدبلوماسية.

خاص- CNBC عربية- كريم محمد

أيام تفصل عن الذكرى الرابعة للحرب  في أوكرانيا والتي اندلعت في 24 فبراير/ شباط 2022. منذ ذلك الحين شهدت الحرب الكثير من المبادرات والوساطات، لكنها جميعًا فشلت في إنهاء الصراع، فما أسباب ذلك الفشل رغم تدخل دول عدة كبرى من بينها دول عربية مثل الإمارات والسعودية وقطر؟

بحسب خبراء استطلعت CNBC عربية آراءهم، يعود عدم نجاح المفاوضات الروسية الأوكرانية إلى تضارب الأهداف، وانعدام الثقة، وتعقيدات الجغرافيا السياسية، ما جعل السلام رهينة حسابات أكبر من مجرد اتفاق بين دولتين متحاربتين.

التسلسل الزمني للمفاوضات

شهدت الأيام الأولى من اندلاع الحرب عام 2022، انعقاد جولات مفاوضات في بيلاروسيا وتركيا بين وفدي روسيا وأوكرانيا بهدف وقف القتال وسحب القوات الروسية. لم تُنتج أي اتفاق فعّال، وتضمنت مقترحات روسيا انسحاب أوكرانيا من الناتو، وضع قيود على قدراتها العسكرية، واعتراف بضمّ أجزاء من الأراضي (مثل القرم)، وهو ما رفضته أوكرانيا.


اقرأ أيضاً: تتضمن حصول كييف على "تعويض مالي".. تفاصيل مقترح أوروبي بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا


وخلال الفترة بين مارس/ آذار وأبريل/ نيسان عام 2022، استضافت تركيا أول جولة محادثات مباشرة في إسطنبول برعاية الرئيس رجب طيب أردوغان، جمعت وفدي موسكو وكييف بحضور ممثلين عن فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي بشكل غير مباشر، قبل أن تتعثر المفاوضات في أبريل/ نيسان 2022، ثم عادت أنقرة لتسجّل اختراقاً بارزاً في يوليو/ تموز 2022 عبر رعاية اتفاق تصدير الحبوب من البحر الأسود في إسطنبول، ما خفف أزمة الغذاء العالمية.

واقترحت الأمم المتحدة في أبريل/ نيسان 2022 وقف إطلاق النار خلال عيد الفصح، ولقى الاقتراح تأييداً أوكرانياً وأوروبياً، لكن روسيا رفضته بحجة أنه سيمنح كييف فرصة لإعادة تنظيم قواتها.

وفي 2023 و2024 واصلت تركيا جهود الوساطة من خلال اتصالات دورية واستضافة لقاءات أمنية وفنية في أنقرة، مركزةً على تبادل الأسرى وأمن الملاحة، ورغم تراجع فرص التسوية الشاملة حتى 2025، حافظت أنقرة على موقعها كقناة تواصل نادرة بين الطرفين، مستندةً إلى علاقاتها المتوازنة مع موسكو وكييف ودورها الإقليمي والدولي.

وفي عام 2023، طرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ما عُرف بـ"صيغة السلام"، وهي خطة من عشر نقاط تشمل، الانسحاب الروسي الكامل، استعادة الحدود المعترف بها دوليًا، إطلاق الأسرى، تعويض المتضررين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ورغم حصول الخطة على دعم غربي واسع، رفضتها موسكو بالكامل، معتبرةً أنها تمثل "شروط استسلام غير مقبولة".

وخلال عامي 2024 و2025، عُقدت قمم دولية عدة في أوروبا وسويسرا ودول أخرى، ركزت على دعم أوكرانيا سياسيًا وعسكريًا، دون مشاركة مباشرة من روسيا في معظمها.

وشهد عام 2025 محاولات لفتح قنوات تفاوض ثلاثية ضمت الولايات المتحدة، وروسيا، وأوكرانيا، لكنها فشلت في تحقيق اختراق فعلي، مع استمرار العمليات العسكرية أثناء المحادثات.

وفي عام 2026، استمرت الاتصالات الخلفية غير المُعلنة، لكنها بقيت في إطار جسّ النبض دون نتائج ملموسة. 

أبرز الأسباب 

يقول الأستاذ بكلية موسكو العليا، رامي القليوبي، لـ CNBC عربية، إن هناك أسباب عدة تعيق إنهاء الحرب في أوكرانيا وأبرزها الخلاف في مسألة الأراضي، وتحديدا الأراضي الواقعة في شمال مقاطعة دونيتسك أو جمهورية دونيتسك الشعبية وفقا للتسمية الروسية.

ويضيف: روسيا ضمت هذه الأراضي في عام 2022 وقد أدرجتها على قائمة الأقاليم الروسية بموجب الدستور، ولكن في الوقت نفسه بموجب القانون الأوكراني وحتى القانون الدولي هذه الأراضي لا تزال أوكرانية، فبالتالي هناك خلاف في مسألة تفسير القانون الذي يضمن من ناحية وحدة الدول ومن ناحية أخرى يضمن حق الشعب في تقرير المصير وهذا فعلياً يؤدي إلى أنه يتم تفسير القانون الدولي من منطلق القوة، وبالتالي هذه الأراضي هي حجر العثرة.

ويشير القليوبي إلى وجود بعض الخلافات الأخرى مثل المطالبة الروسية بأن يتم تثبيت حياد أوكرانيا على مستوى الدستور، ولكن هذا الشرط يمكن تجاوزه لأن أوكرانيا لن تنضم إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بحكم الأمر الواقع كونها دولة فات نزاع حدودي وحتى من دون العضوية في الناتو أوكرانيا حصلت على أحدث الأسلحة الغربية، فبالتالي الآن الأراضي هي حجر العثرة أمام تحقيق التسوية.

ويتابع: يكمن مأزق الوضع الراهن، في أن روسيا تتقدم ولكنها غير قادرة على الحسم العسكري، وعلى الصعيد الآخر أوكرانيا تتراجع ولكن جبهتها لم تنهار، فبالتالي يجب أن تتغير الظروف العسكرية أو الجيوسياسية تغيراً جذرياً حتى تفضي إلى إنهاء الحرب، ولكن بالوضع الراهن المرحلة الساخنة من أعمال القتال ستستمر لعدة أشهر أخرى على الأقل.

روسيا تتقدم ولكنها غير قادرة على الحسم العسكري، وعلى الصعيد الآخر أوكرانيا تتراجع ولكن جبهتها لم تنهار

رامي القليوبي
الأستاذ بكلية موسكو العليا

طبيعة الصراع

ويوضح الباحث السياسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديميتري بريجع، في حديثه إلى CNBC عربية، أن فشل مبادرات إنهاء الحرب في أوكرانيا لا يعود فقط إلى ضعف الدبلوماسية، بل إلى طبيعة الصراع نفسها، التي لا تزال قائمة على منطق كسب الوقت وتحسين شروط التفاوض، بدلاً من السعي الجاد نحو تسوية شاملة.

ويؤكد بريجع أن المبادرات في مثل هذا النوع من الحروب لا تُقاس بجمال صياغاتها أو كثافة بياناتها، بل بمدى قدرتها على تغيير ميزان الحوافز لدى أطراف الصراع، وطرح السؤال الجوهري: هل أصبحت كلفة الاستمرار في الحرب أعلى من كلفة تقديم التنازلات؟ وحتى الآن، يشير إلى أن الإجابة لدى معظم اللاعبين الرئيسيين لا تزال “لا".


اقرأ أيضاً: ترامب يؤكد لزيلينسكي: بوتين يريد إنهاء الحرب في أوكرانيا


ويضيف  أن وساطات عدة جرت خلال السنوات الماضية، أبرزها من تركيا، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، في إطار مبادرات قادها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، بهدف تخفيف حدة التوتر وإيجاد مسارات للحوار بين موسكو وكييف. وأسفرت هذه الجهود عن نتائج جزئية، مثل صفقات تبادل الأسرى، التي شاركت فيها الإمارات والسعودية، إضافة إلى اتفاق تصدير الحبوب بوساطة تركية.

ورغم هذا التقارب النسبي، يؤكد بريجع أن هذه المبادرات لم تؤدِ إلى إنهاء فعلي للصراع، في ظل استمرار تعقيداته السياسية والعسكرية.

ويربط الباحث جذور الأزمة بالسياق التاريخي لما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي، وتأثير ذلك على الجمهوريات التي استقلت خلال عامي 1993 و1994، مثل جورجيا وأرمينيا وأذربيجان ودول آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وبعض دول أوروبا الشرقية.

ويوضح أن هذه الدول تخلصت من الهيمنة السوفيتية المباشرة، لكنها لم تتحرر بالكامل من الإرث السياسي والاستراتيجي الروسي، في ظل رؤية موسكو التي تعتبر أن محيطها الجغرافي يجب أن يبقى ضمن دائرة مصالحها ونفوذها، ما يجعل فك هذا الارتباط أمراً بالغ الصعوبة.



عقبات

ويحدد بريجع أولى العقبات الرئيسية أمام أي تسوية في وجود فجوة كبيرة في الأهداف بين الطرفين. فروسيا ترى أن أي وقف لإطلاق النار دون ضمانات أمنية وترتيبات سياسية واضحة سيمنح أوكرانيا فرصة لإعادة التسلح وإطالة أمد الحرب، في حين تعتبر كييف أن تجميد الجبهة قبل استعادة أراضيها سيكرّس واقعاً جديداً ويفقدها ورقة تفاوض أساسية.

وتجعل هذه الفجوة كل مبادرة تصطدم بالسؤال المحوري: هل المطلوب وقف مؤقت لإطلاق النار أم تسوية نهائية؟ وغالباً ما يتعامل الطرفان مع المبادرات بوصفها أدوات تكتيكية مرحلية، لا مسارات استراتيجية طويلة الأمد.

أما العامل الثاني، فيتمثل في تعدد الوسطاء وتضارب أجنداتهم، ما يخلق ضجيجاً دبلوماسياً أكثر مما ينتج مساراً واضحاً قابلاً للتنفيذ. فكل وسيط يأتي بحزمة أولويات مختلفة، تتعلق بالغذاء والطاقة وتبادل الأسرى والممرات البحرية وترتيبات مؤقتة، وهي مبادرات تُخفف بعض الأعراض، لكنها لا تعالج جوهر الأزمة وأسباب الحرب.

ويشير بريجع إلى أن بعض الأطراف تستغل الوساطة لتحسين صورتها الدولية أو لتعزيز نفوذها السياسي، بدلاً من الدخول في تسويات صعبة ومكلفة داخلياً.

ثالثاً، يؤكد أن الحرب باتت جزءاً من المعادلة الداخلية لجميع الأطراف، حيث لم تعد القرارات الكبرى تُتخذ فقط في غرف التفاوض، بل تحت ضغط الرأي العام، والنخب الأمنية، وتوازنات السلطة، واستراتيجيات “الانتصار” والكرامة الوطنية.

وعندما تصبح كلفة التراجع سياسياً أعلى من كلفة الاستمرار عسكرياً، كما هو الحال في روسيا حالياً، يصبح السلام خياراً غير شعبي، أو مؤجلاً، أو مشروطاً بتحقيق نصر رمزي على الأقل.

ويستشهد بريجع بمواقف داخل القيادة الروسية، ومنها تصريحات رئيس جمهورية الشيشان رمضان قديروف، خلال لقاء جمع الرئيس فلاديمير بوتين بالشيخ محمد بن زايد، حين أكد ضرورة استمرار “العملية العسكرية الخاصة” حتى هزيمة العدو قبل الدخول في أي مفاوضات.

الحرب باتت جزءاً من المعادلة الداخلية لجميع الأطراف، حيث لم تعد القرارات الكبرى تُتخذ فقط في غرف التفاوض، بل تحت ضغط الرأي العام

ديمتري بريجع
باحث روسي،مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية

رابعاً، يرى أن الغرب وروسيا ينظران إلى الحرب باعتبارها صراعاً طويل الأمد حول شكل النظام الأمني الأوروبي، وليس مجرد نزاع حدودي. وبالتالي، فإن مبادرات السلام لا تواجه طرفين فقط، بل شبكة معقدة من المصالح..  فالغرب يراهن على إنهاك روسيا وفرض كلفة استراتيجية عليها، بينما تراهن موسكو على تبدل المزاج السياسي داخل الدول الغربية، وإرهاق مواردها، وتراجع تماسكها مع مرور الوقت، ليصبح الزمن بحد ذاته سلاحاً في المعركة.

ويضيف أن روسيا تترقب أيضاً التحولات السياسية داخل أوروبا، ولا سيما نتائج الانتخابات التي قد تؤدي إلى خسارة الأحزاب والقيادات الحالية.

خامساً، يصف بريجع غياب سلة ضمانات موثوقة بأنه “العقدة الأهم”، مشيراً إلى عدم وجود صيغة متفق عليها حتى الآن بشأن الضمانات الأمنية، وآليات المراقبة والتنفيذ، وتعريف الخروقات، والعقوبات المترتبة عليها.

ويؤكد أن أي مبادرة تفتقر إلى بنية تنفيذية واضحة تتحول إلى مجرد بيان سياسي، وفي الحروب الكبرى لا توقف البيانات المدفعية ولا تنهي القتال.

سادساً، يلفت إلى أن الاقتصاد والعقوبات والتسليح أسست منظومة قائمة بذاتها، حيث ازدهرت الصناعات الدفاعية، وتدفقت عقود التسليح الضخمة، وتشكلت شبكات تمويل وتحالفات جديدة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن أطرافاً تريد الحرب من أجل الحرب، لكنه يعني أن الصراع خلق توازنات جديدة تجعل العودة إلى الوراء أكثر صعوبة وكلفة من الاستمرار، وفق بريجع.

شروط إنهاء الحرب

وحول شروط نجاح أي مبادرة مستقبلية، يوضح بريجع أنها تتطلب توافر ثلاثة عوامل متزامنة.

أولاً، حدوث إرهاق استراتيجي حقيقي لدى الطرفين يقلب حسابات الكلفة والعائد.

ثانياً، وجود وسيط أو مجموعة وسطاء قادرين على تقديم حزمة متكاملة من الحوافز والضمانات، ويرى أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات وقطر، يمكن أن تلعب دوراً محورياً واستراتيجياً في هذا السياق، بشرط ألا يقتصر دورها على الدعوة للتهدئة فقط.

ثالثاً، ضرورة وجود إطار صارم للتنفيذ، يتضمن جدولاً زمنياً واضحاً، وآليات مراقبة دقيقة، وتعريفاً محدداً للالتزامات، وضمانات أمنية قابلة للقياس والتحقق.

ويختم بريجع بالقول إن الصراع سينتهي في نهاية المطاف، كما تنتهي جميع الحروب، بهزيمة طرف ما أو بتراجع استراتيجي كبير. لكن شكل الحل النهائي سيظل رهناً بتوازنات المرحلة المقبلة.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة